ديسمبر 13, 2011

بدأ بهاء الله بعد إعلان دعوته عام 1863 بشرح موضوعٍ سَبَقَ أنْ ذكره في “كتاب الإيقان”، تناول فيه المشيئة الإِلهيّة وعلاقتها بسياق النّموّ والتّطوّر الذي تظهر فيه القدرات الرّوحيّة والخلقيّة الكامنة في جوهر الإِنسان. ويحتلّ عرض هذه المسألة مكاناً رئيسيّاً في آثاره الكتابيّة لمدّة السّنوات الثّلاثين التّالية من حياته. ففي إطار هذا العرض يؤكّد لنا بهاء الله أنَّ الحقيقة الإِلهيّة مستورة وستبقى مستورة عن العقول والأذهان. وأنّه مهما حاول العقل الإنسانيّ من الإِتْيان بوصفٍ للحقيقة الأزليّة المنزّهة عن الإدراك، فكلّ وصفٍ قاصر وليس سوى محاولة إنسانيّة، نابعة من الوجود الإِنسانيّ، ولا تصف إلاّ تجربة إنسانيّة صرفاً:
“فَسُبْحانَكَ سُبْحانَكَ مِنْ أنْ تُذْكَرَ بِذِكْرٍ أوْ تُوْصَفَ بِوَصْفٍ أوْ تُثْنى بِثَناءٍ. وَكُلَّ ما أمَرْتَ بِهِ عبادَكَ مِنْ بَدايعِ ذِكْرِكَ وَجَواهِرِ ثَنائِكَ هذا مِنْ فَضْلِكَ عَلَيْهمْ لِيَصْعَدُنَّ بِذلِكَ إلى مَقَرِّ الّذي خَلَقَ في كَيْنونيَّاتِهمْ مِنْ عِرْفانِ أنْفُسِهِمْ، وَأَنَّكَ لّمْ تَزَلْ كُنْتَ مُقَدَّساً عَنْ وَصْفِ ما دونكَ وَذِكْرِ ما سِواكَ، وَتَكونُ بِمِثْلِ ما كُنْتَ في أزَلِ الآزال، لا إله إلاّ أنْتَ المُتَعالي المُقْتَدِرُ المُقَدَّسُ العَليمُ”. “مِنَ الواضِح لَدى أولي العِلْمِ وَالأفْئِدَةِ المُنيرَةِ، أنَّ غَيْبَ الهُوِيَّةِ وَذاتَ الأحَدِيَّةِ كانَ مُقَدَّساً عَنِ البُروزِ وَالظُّهورِ، وَالصُّعودِ وَالنُّزولِ وَالدُّخولِ وَالخُروجِ، وَمُتَعالِياً عَنْ وَصْفِ كُلِّ واصِفٍ وَإدراكِ كُلِّ مُدْرِكٍ، وَلَمْ يَزَلْ كانَ غَنِيّاً في ذاتِهِ وَلا يَزالُ يَكونُ مَسْتوراً عَنِ الأبْصارِ وَالأنْظارِ…” (مترجم عن الفارسية)
فالبَشَر في حالة توجّههم لخالق الوجود كلّه إنّما يمرّون بتجربة تقودهم إلى اكتشاف الأسماء والصّفات المرتبطة بالمظاهر الإِلهيّة التي تترى وتتتابع:
“وَلَمّا أنْ كانَتْ أبْوابُ عِرْفانِ الأزَلِ مَسْدودَةً عَلى وَجْهِ المُمْكِناتِ لِهذا باِقْتِضاء رَحْمَتهِ الواسِعَةِ في قَوْلِهِ ’سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ وَوَسِعَتْ رَحْمَتي كُلَّ شَيْءٍ‘ قَدْ أظْهَرَ بَيْنَ الخَلْقِ جَواهِرَ قُدْسٍ نورانِيَّةٍ، مِنْ عَوالِمِ الرّوحِ الرّوحانِيِّ عَلى هَياكِلِ العِزِّ الإِنْسانِيِّ، كَيْ تَحْكِيَ عَنْ ذاتِ الأزَلِيَّةِ وَسَاذَجِ القِدَمِيَّةِ…”
(مترجم عن الفارسية)
“وَهذِهِ المَرايا القُدْسِيَّةُ وَمَطالِعُ الهُوِيَّةِ تَحْكي بِتَمامِها عَنْ شَمسِ الوُجودِ وَجَوْهَرِ المَقْصودِ، فَمَثَلاً عِلْمُهُمْ مِنْ عِلْمِهِ، وَقُدْرَتُهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ، وسَلْطَنَتُهُمْ مِنْ سَلْطَنَتِهِ، وَجَمالُهُمْ مِنْ جَمالِهِ، وَظُهورُهُمْ مِنْ ظُهورِهِ…” (مترجم من الفارسية)
لا تختلف المظاهر الإِلهيّة فيما بينها ولا تفترق من حيث جوهرها، رغم أنَّ كلّ مظهر قد ينفرد في كيفيّة استجابته لمقتضيات البشر تلبيةً لاحتياجاتهم حسب العصر والزّمان:
“إنَّ هذِهِ الصّفاتِ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِبَعْضٍ دونَ بَعْضٍ وَلَمْ تَكُنْ كَذلِكَ فيما مَضى، بَلْ إنَّ جَميعَ الأنْبِياءِ المُقَرَّبينَ وَالأَصْفِياءِ المُقَدَّسينَ مَوْصوفونَ بِهذِهِ الصِّفاتِ وَمَوْسومونَ بِتِلْكَ الأسْماء. نِهايَةُ الأمْرِ أنًّ بَعْضَهُمْ يَظْهَرُ في بَعْض المراتِبِ أشَدَّ ظُهوراً، وَأعْظَمَ نوراً…” (مترجم عن الفارسية)
وفي هذا المجال ينبّه بهاء الله الدّارسين للدّين والباحثين فيه إلى عدم السّماح للعقائد الفقهيّة واللاّهوتيّة أن تؤثّر مسبقاً على أحكامهم فيفرّقوا ويميّزوا بينَ مَن اختارهم الله ليكونوا مصابيح هدايته:
“إيّاكُمْ يا مَلأَ التَّوْحيدِ، لا تُفَرِّقوا في مَظاهِرِ أمْرِ اللهِ وَلا فيما نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ، وهذا حَقُّ التَّوحيدِ إنْ أنْتُمْ لَمِنَ الموْقِنينَ. وَكَذلِكَ في أفعالِهِمْ وَأعْمالِهِمْ وَكُلَّ ما ظَهَرَ مِنْ عِنْدِهمْ وَيَظْهَرُ مِنْ لَدُنْهِمْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكُلٌّ بِأَمْرِهِ عامِلينَ. وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ كَلِماتِهِمْ وَما نَزَلَ عَلَيْهِمْ أو في أحْوالِهِمْ وَأفْعالِهِمْ في أقَلّ ما يُحْصى لَقَدْ أشْرَكَ بِاللهِ وَبِآياتِهِ وَبِرُسُلِهِ وَكانَ مِنَ المُشْرِكينَ.”
ويقارن بهاء الله بين تعاقُبِ المظاهر الإِلهيّة وبين فصول الرّبيع تذهب لتعود. ويشير إلى أنَّ رسل الله ليسوا فقط مربّين للبشر، وإن كان ذلك وظيفة من وظائفهم الرّئيسيّة، بل إنّ الكلمة التي يأتون بها، بالإِضافة إلى الحياة المثاليّة التي يحيونها، لديها القدرة على شحذ الهمم من جذورها وإحداث تغييراتٍ أساسيّة دائمة. وهكذا تفتح هذه المظاهر الإِلهيّة بقوّة نفوذها آفاقاً جديدة أمام البشر تتوسّع فيها المدارك وتتحقّق فيها الإنجازات العظيمة:
“وَحَيْثُ أنَّهُ لا رابِطَ إطْلاقاً بَيْنَ الخَلْقِ وَالحَقِّ، وَالحادِثِ وَالقَديمِ وَالواجِبِ وَالمُمْكِنِ، وَلا مَجالَ لِلمُشابَهَةِ أو المُطابَقَةِ أو المُناسَبَةِ، يَبْعَثُ اللهُ في كُلِّ عَهْدٍ وَعَصْرٍ نَفْساً طاهِرَةً لِتَظْهَرَ في عالَمِ المُلْكِ وَالمَلَكوتِ… وَما هذِهِ النُّفُوسُ المُجَرَّدَةُ وَالحقائِقُ النَّيِّرَةُ إلاّ وَسائِطَ الفَيْضِ الكُلِّيِّ في ظِلِّ الهِدايَةِ الكُبْرى وَالرُّبوبِيَّةِ العُظْمى لِتَسْتَنيرَ وَتَتَطَهَّرَ بِها قُلوبُ المُشتاقينَ وَسَرائرُ الأصْفِياءِ بِتَأثيرِ الإِلْهاماتِ الغَيْبِيَّةِ وَالفُيوضاتِ الحَقيقيَّةِ وَالنَّسائِمِ القُدْسِيَّةِ. وَبِهذا تُصْقَلُ أفْئِدَةُ المُقَرَّبينَ وَتُجْلى مِنَ الصَّدَأ لِتُشِعَّ الوَديعَةُ الإِلهيَّةُ المَسْتورَةُ في الحقائق كَنُورِ الشَّمْسِ المُشْرِقَةِ مِنَ الفَجْر الإِلهيِّ، فَيَنْكَشِفُ السِّتارُ وَيُرْفَعُ الحِجابُ، وَيَرْتَفِعُ عَلَمُ الظُّهورِ عَلى رَبَواتِ الأفْئِدَةِ وَالقُلوبِ…” (مترجم عن الفارسية)
وبدون هذا النّفوذ الإِلهيّ والتّأثير الرّبّانيِّ في حياة البشر، تبقى الطّبيعة البشريّة أسيرةَ الغرائز، وفريسةً لافتراضات لا واعية وأنماطٍ من السّلوك تحدّدها البيئة الثّقافيّة للإِنسان دون غيرها:
َبَعْدَ أنْ خَلَقَ اللهُ كُلَّ المُمْكِناتِ وَبَعَثَ المَوْجوداتِ وَتَجَلّى بِاسْمِهِ المُخْتارِ، خَصَّ الإِنْسانَ مِنْ بَيْنِ المَخْلوقاتِ جَميعِها لِمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، فَكانَ أنْ خَلَقَ الكائِناتِ كُلِّها لأَجْلِ هذِهِ الغايَةِ… وَتَجَلَّى في كَيْنونةِ الأشْياءِ جَميعِهَا باسْمٍ مِنْ أسْمائِهِ وَصِفَةٍ مِنْ صِفاتِهِ، وَلكِنَّهُ جَعَلَ الإِنْسانَ مَظْهَرَ كُلِّ أسْمائِهِ وَصِفاتِهِ لِيَكونَ مِرآةً لٍذاتِهِ مُخْتَصّاً إيّاهُ بِعَظيمِ فَضْلِهِ وَقديمِ رَحْمَتِهِ. وَلكِنَّ تَجَلِّياتِ أنْوارِ صُبْحِ الهِدايَةِ وَإشْراقاتِ شَمْسِ العِنايَةِ مَسْتورَةٌ في حَقيقَةِ الإِنْسانِ كَشُعْلَةِ النّورِ مَسْتُورَةٌ في حَقيقَةِ الشَّمْعِ وَالسِّراجِ. وَقَدْ يَخْتَفي إشْعاعُ الشَّمْسِ المُشْرِقَةِ فَلا تَنْعَكِسُ نوراً في المَرايا التي كَسَتْها غُبارُ الشّؤونِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولا في المَجالي التي عَلاها الصَّدأ. فَمِنَ الواضِحِ إذاً أنَّ هُناكَ حاجَةً لِمَنْ يُشْعِلُ هذا السِّراجَ وَمَنْ يَصْقُلُ صَفْحَةَ هذه المَرايا وَالمَجالي، فَبدونِ النّارِ لَنْ يُشْعَلَ السِّراج، وإنْ لَمْ تُصْقَلِ المِرْآةُ صافِيَةً مِنَ الغُبارِ فَلَنْ يَنْعَكِسَ فيها إشْراقُ الشَّمْسِ وَنورُها.” (مترجم عن الفارسية)
أعلن بهاء الله أنّه قد جاء الوقت الذي أصبحت فيه الإنسانيّة تمتلك القدرة، وأمامها الفرصة، لكي تبصر المشاهد الكاملة لنموّها الرّوحيّ في إطار نَسَقٍ موحَّد:
“هذا يَوْمٌ لا شَبيهَ لَهُ، فَهُوَ كَالعَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِما مَضى مِنَ القُرونِ وَالعُصورِ، وَكالنّورِ بِالنِّسْبَةِ لِظَلامِ الحِقَبِ وَالأَزْمانِ.”
ومن هذا المنظور يتحتّم على أتباع الأديان المختلفة بذل الجهد ليدركوا معنى ما وصفه بهاء الله بقوله: “هذا دينُ اللهِ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ”، وأن يميّزوا بين الغاية الإِلهيّة لظهور دين من الأديان وبين الشّرائع والمفاهيم المتغيّرة والتي تنزل تلبيةً لمتطلّباتٍ آنيّةٍ لمجتمع إنسانيّ دائم التّطوّر والنّموّ:
“إنَّ الرُّسُلَ وَالأنْبِياءَ هُمْ بِمَثابَةِ الأطِبّاءِ يَقومونَ بِمُعالَجَةِ العالَمِ وَأهْلِهِ فَيَصِفونَ دَواءَ الوَحْدَةِ وَالاتِّحادِ لِشِفاءِ أمْراضِ الفُرْقَةِ وَالاخْتِلافِ… وَلا عَجَبَ إذا وَجَدْنا أنَّ الطَّبيبَ يَصِفُ عِلاجاً لِهذا اليَوْمِ يَخْتَلِفُ عَمّا وُصِفَ في الماضي. وَكَيْفَ لا يَكونُ ذلِكَ، فَلِكُلِّ يَوْمٍ عِلاجٌ يُناسِبُ أمْراضَهُ. وَبِالمِثْلِ فَإنَّ رُسُلَ اللهِ وَأنبِياءَهُ كُلَّما أناروا العالَمَ بِإشْراقِ شَمْسِ المَعْرِفَةِ الإِلهيَّةِ دَعَوا النّاسَ إلى الاسْتِفاضَةِ مِنْ نورِ اللهِ بِالوَسائلِ المُناسِبَةِ لمُقْتَضَياتِ العَصْر”.
(مترجم عن الفارسية)
وليس من المفروض أنْ يقوم القلب وحده بتكريس نفسه لاكتشاف هذا النّسق من التّحوّل والتّطوّر، بل على العقل أيضاً أن يفعل ذلك. ويؤكّد لنا بهاء الله أنّ العقل نعمة من أعظم النّعم أسبغها الله على الإنسان، فهو “النَّفْسُ النّاطِقَةُ” و“آيةُ تَجلّي سُلْطانِ الأحَدِيّةِ.” فإذا تحرّر العقل من ربقة العقائد والتّقاليد الموروثة، دينيّة كانت أم دنيويّة، عندئذٍ فقط يمكنه أن يباشر تحرّيه للعلاقة القائمة بين كلمة الله وبين ما تتركه من أثرٍ ونفوذ في حياة بني البشر. ولعلّ العقبة الرّئيسيّة في مثل هذا البحث والتّحرّي هو التّعصّب:
“ذَكِّرْ يا سَلْمانُ أحِبّاءَ الحَقِّ بِأَلاَّ يَعْتَرِضوا عَلى كَلِماتِ أحَدٍ… بَلْ عَلَيْهِمُ النَّظَرُ إلى هؤلاءِ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ.”
من كتاب (بهاء الله)
http://reference.bahai.org/ar/t/bic/SB/
أضف تعليق » |
عام | Tagged: ملأ التوحيد, الانبياء, البهائية, الحق, الخلق, بهاء الله, دين الله |
رابط دائم
نشرت بواسطة shamsalhaya
يوليو 6, 2011

“وإنما الوجه الذي رأيته، لا أنساه ولا يمكنني وصفه، مع تلك العيون البرّاقة النافذة التي تقرأ روح الشخص. وتعلو جبينه الوَضّاح العريض القدرة والجلال… فلم أك إذ ذاك في حاجة للسؤال عن الشخص الذي امتثلت في حضوره، ووجدت نفسي منحنياً أمام من هو محطّ الولاء والمحبة التي يحسده عليهما الملوك، وتتحسر لنوالهما عبثاً الأباطرة!”
بهذه الكلمات وصف المستشرق إِدوارد غِرانفيل براون، الأستاذ بجامعة كمبريدج، حضرة بهاء الله حين تشرف بزيارة حضرته عام ١٨٩٠ في سجن عكا في فلسطين. وكان حضرة بهاء الله حينها رهين السجن طال نفيه عن وطنه لمدة قاربت الأربعين عاماً، وكانت رسالته آنذاك يحيط بها الغموض بسبب القيود المفروضة عليها، والدعوات المغرضة التي يطلقها أعداؤها. أما اليوم فيعترف الملايين من أتباعه المؤمنين في أرجاء العالم كافة بأنه صاحب الرسالة الإلهيّة لهذا العصر والمربّي الرّوحي لأهل هذا الزمان. ويعتقد البهائيون أنَّ الله سبحانه وتعالى يبعث برسله في فترات مختلفة من التاريخ فيؤسّس هؤلاء، كما فعل موسى وإبراهيم وعيسى ومحمد وكرشنا وبوذا عليهم السلام، أَديانَ العالم ونظمه الروحية. إنّه الخالق الودود يبعث برسله الينا كي نتمكن من التعرف عليه والتعبد لديه بحيث نتمكن من بناء حضارة إِنسانية دائمة التقدم فيما تحقّقه من انجازات عظيمة.
إِنَّ مقام رسل الله ومظاهر أمره مقامٌ فريد متميّز في عالم الخلق. فرسل الله ومظاهر قدرته يتمتعون بطبيعة ثنائية إِنسانيّة وإلهيّة في آن معاً دون أنْ يكونوا في مقام الله سبحانه وتعالى، وهو الخالق المنزّه عن الادراك. وفي هذا المجال كتب حضرة بهاء الله في وصف الله سبحانه وتعالى ما يلي:
“إنَّه لم يزل ولا يزال كان متوحّداً في ذاته ومتفرّداً في صفاته وواحداً في أفعاله وإنَّ الشبيهَ وَصْفُ خلقه والشريكَ نعتُ عباده، سبحان نفسه من أَنْ يوصف بوصف خلقه، وإنَّه كان وحده في علوّ الارتفاع وسموّ الامتناع ولن يَطِرْ إلى هواء قدس عرفانه أطيار أفئدة العالمين مجموعاً، وإنَّه قد خلق الممكنات وذَرَأ الموجودات بكلمة أمره.”
إِضافةً إلى ذلك يوجّه حضرة بهاء الله هذا الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى فيقول:
“سبحانك سبحانك من أنْ يقاس أمرك بأمر أو يرجع اليه الأمثال أو يُعرف بالمقال، لم تزل كنت وما كان معك من شيء ولا تزال تكون بمثل ما كنت في علوّ ذاتك وسموّ جلالك، فلما أردتَ عرفان نفسك أَظهرتَ مظهراً من مظاهر أمرك وجعلته آية ظهورك بين بريّتك ومظهر غيبك بين خلقك…”
وفي شرحه للعلاقة القائمة بين المظهر الإلهي والخالق السماوي استخدم حضرة بهاء الله مَثَل المِرآة، فالمِرآة تعكس نور الشمس، تماماً كما تعكس المظاهر الإلهيّة نور الله، وكما أنّه لا يمكن مقارنة الشمس بالمِرآة، كذلك لا يمكن مقارنة المظهر الإلهي بالحقيقة الإلهيّة:
“إنَّ هذه المرايا القُدُسية… كلّها تحكي عن شمس الوجود تلك، وذلك الجوهر المقصود، فَعِلْمُ هؤلاء مثلاً من علمه هو، وقدرتهم من قدرته، وسلْطنتهم من سلْطنته، وجمالهم من جماله…”
إنَّ رسالة حضرة بهاء الله لهذا العصر هي في الأَساس رسالة العدل والوحدة والاتّحاد، فقد كتب يقول: “أحبُّ الأشياء عندي الإنصاف،” وكرّر القول في موضعين آخرين بأن “العالم وطن واحد والبشر سكّانه” وبأنَّه “لا يمكن تحقيق إصلاح العالم واستتباب أمنه واطمئنانه إلاّ بعد ترسيخ دعائم الاتِّحاد والاتِّفَاقِ.” هذا ما وصفه الرّحمن من دواء ناجع لشفاء علل العالم.
ورغم أنَّ مثل هذه التصريحات والبيانات أَصبحت اليوم جزءاً لا يتجزأ مما يفكّر به عموم الناس، فَلَنا أنْ نتصور كيف باغتت هذه الآراء والأفكار شخصاً مثل إِدوارد غِرانفيل براون حين وجّه اليه حضرة بهاء الله هذه الكلمات في تصريحه الرائع حيث قال:
“الحمد لله إذ وصلتَ… جئتَ لترى مسجوناً ومنفيّاً… نحن لا نريد إلاّ إصلاحَ العالم وسعادة الأمم، وهم مع ذلك يعتبروننا مثيرين للفتنة والعصيان، ومستحقين للحبس والنفي… فأي ضرر في أنْ يتّحد العالم على دين واحد وأنْ يكون الجميع إخواناً، وأن تُستَحكَم روابط المحبّة والاتحاد بين بني البشر، وأنْ تزول الاختلافات الدينية وتُمحى الفروق العِرقية؟ …ولا بدّ من حصول هذا كلّه، فستنقضي هذه الحروب المدمرة والمشاحنات العقيمة وسيأتي الصلح الأعظم…”
وُلد حضرة بهاء الله في بلاد فارس في القرن التاسع عشر في أسرة عريقة مرموقة الجانب، وكان من البديهي أنْ يجد نفسه في بُحبوحة من العيش وقسط وافر من الثراء. إلاّ أنّه ومنذ زمن مبكّر لم يُبدِ اهتماماً بالسير على خُطى والده والدخول إلى بلاط الشاه، مُؤثِراً أن يصرف جُلّ وقته وإمكاناته في رعاية الفقراء والحدب عليهم. وفيما بعد سُجن حضرة بهاء الله وتم نفيه نتيجة اعترافه بدين حضرة الباب الذي قام يبشّر بدعوته عام ١٨٤٤ في بلاد فارس، وهو الذي كان مُقدّراً له أنْ يحقّق ما جاء به الإسلام من الوعود والنبوءات.
أشار حضرة الباب في آثاره إلى قرب مجيء الموعود الذي بشّرتْ به الأديان العالمية كلّها، فكان أنْ أعلن حضرة بهاء الله بأنَّه ذلك الموعود المنتظر، فخصّ العصر الذي شهد مجيء رسالته بهذا التمجيد والثناء: “إن هذا اليوم هو سلطان الأيّام جميعها، إنّه يوم ظهر فيه محبوب العالم، ومقصود العالمين منذ أزل الآزال.” وفي مناسبة أخرى يضيف قائلاً: “قل إنيّ أنا المذكور بلسان الإشعيا وزُيّنَ باسمي التوراة والإنجيل.” أمّا في حقّ نفسه فقد صرح مؤكدا: “إنَّ قلم القدس قد كتب على جبيني الأبيض بنور مبين أنْ يا ملأ الأرض وسكان السماء هذا لهو محبوبكم بالحقّ وهو الذي ما رأت عين الإبداع شبهه والذي بجماله قرّت عين الله الآمر المقتدر العزيز.”
وأَما بخصوص رسالته فقد قال:
“فلمّا انقلبت الأكوان وأهلها والأرض وما عليها كادت أَنْ تنقطع نسمات اسمك السبحان عن الأشطار وتَركُد أرياح رحمتك عن الأقطار. أقمتَني بقدرتك بين عبادك وأمرتني باظهار سلطنتك بين بريّتك. قمتُ بحولك وقوّتك بين خلقك وناديتُ الكلّ إلى نفسك، وبشّرتُ كلَّ العباد بألطافك ومواهبك ودعوتُهم إلى هذا البحر الذي كلُّ قطرة منه تنادي بأعلى النداء بين الأرض والسماء بأنه محيي العالمين ومُبعِثُ العالمين ومعبود العالمين ومحبوب العارفين ومقصود المقرَّبين.”
وعَرَفَ حضرة بهاء الله أول ما عرف تباشير الظهور الإلهي أثناء الفترة الأولى في السجن، فوصف تجربته تلك بهذه الكلمات:
“وبالرّغم من أنّ النوم كان عزيز المنال من وَطْأة السلاسل والروائح المنتنة حين كنت رهين سجن أرض الطاء [طهران] إلاّ أَنَّني كنت في هَجَعاتي اليسيرة أُحسّ كأنّ شيئاً يتدفق من أعلى رأسي وينحدر على صدري كأنّه النهر العظيم ينحدر من قُلَّة جبل باذخ رفيع إلى الأرض فتلتهب جميع الأعضاء. في ذلك الحين كان اللّسان يرتّل ما لا يقوى على الإصغاء إليه أحد.”
وخلال السنوات الطويلة التي قضاها في السجن أنزل حضرة بهاء الله من الآيات الإلهيّة ما يقع في أكثر من مائة سِفْرٍ مجلّد. فأفاض علينا قلمه المبارك مجموعة من الألواح والبيانات احتوت الكتابات الصوفية، والتعاليم الاجتماعية والأخلاقية، والأوامر والأحكام، بالإضافة إلى إعلانٍ واضح صريح لا لبس فيه عن رسالته وَجَّهَه إلى الملوك ورؤساء الدول وحكامها في العالم، بمن فيهم نابليون الثالث، والملكة فكتوريا، والبابا بيوس التاسع، والشاه الفارسي، والقيصر الألماني ويلهلم الأول، والامبراطور فرانسس جوزيف النمساوي، وآخرون.
إنَّ مفهوم الطبيعة الإنسانيّة في رسالة حضرة بهاء الله يقوم على التأكيد على كرامة الإنسان وما فُطر عليه من خُلُقٍ نبيل. وفي أحد آثاره المباركة يخاطب حضرة بهاء الله الإنسان بلسان الحقّ فيذكّره بمنشأه ومنتهاه: “يا ابن الروح! خلقتك عالياً، جعلتَ نفسك دانية، فاصعد إلى ما خُلقتَ له.” ويصرّح في موضع آخر: “انظر إلى الإنسان بمثابة منجمٍ يحوي أحجاراً كريمة، تخرج بالتربية جواهره إلى عَرَصة الشهود وينتفع بها العالم الإنسانيّ.” ويعود حضرة بهاء الله فيؤكد بأنَّ كلّ إنسان قادرٌ على الإيمان بالله، وكل ما هو مطلوب قَدرٌ من التجرد والانقطاع.
“وإذا ما تَطَهّر مشام الروح من زُكام الكون والإمكان، لوجد السالك حتماً رائحة المحبوب من منازلَ بعيدة، ولَوَرَدَ من أثر تلك الرائحة إلى مصر الإيقان لحضرة المنّان وليشاهد بدائع حكمة الحضرة السبحانية في تلك المدينة الروحانية… وأما تلك المدينة فهي الكتب الإلهيّة في كل عهد… وفي هذه المدائن مخزونُ ومكنونُ الهدايةِ والعنايةِ، والعلمِ والمعرفةِ، والإيمانِ والإيقانِ لكل من في السّموات والأَرضين…”
وقد وصف حضرة عبد البهاء، الإبن الأَرشد لحضرة بهاء الله ومركز عهده وميثاقه، رسالة والده بهذه الكلمات:
“تحمّل حضرة بهاء الله جميع البلايا حتى تتحوّلَ النفوس لتصبح نفوساً سماوية، وتتحلّى بالأخلاق الرحمانية، وتسعى لتحقيق الصلح الأَكبر، لتؤيَّدَ بنفثات الروح القُدُس، فتظهر الودائع الإلهيّة المخزونة في الحقيقة الإنسانيّة، وتصبح النفوس البشرية مظاهر الأَلطاف الإلهيّة، ويتحقق ما جاء في التوراة بأنَّ الإنسان قد خلق على مثال الله وصورته. خُلاصة القول بأنَّ تَحَمُّل حضرة بهاء الله لهذه البلايا ما كان إلاّ لكي تستنير القلوب بنور الله، ويُعوَّض عن النقص بالكمال، ويُستعاض عن الجهل بالحكمة والمعرفة، ويكتسب البشر الفضائل الرحمانية، ويرتقي كل ما كان أرضياً ليجد سبيله في الملكوت السماوي، ويغتني كل ما كان فقيراً ليجد عزّته أيضاً في كنوز الملكوت السماوي.”
صَعِدَ حضرة بهاء الله إلى الملكوت الأَعلى عام ١٨٩٢، وهو لا يزال سجيناً في فلسطين. وبعد مضي مائة عام على صعوده احتفلت الجامعة البهائية العالمية في عام ١٩٩٢ بالسّنة المقدسة تخليداً لتلك الذكرى المئوية المباركة. ففي شهر أيار (مايو) من ذلك العام اجتمعت في الأراضي المقدسة وفي رحاب ضريحه الطاهر وفود حافلة من آلاف البهائيين يمثلون ما يزيد على مئتي بلد ومنطقة، تعبيراً عن ولائهم له وتعظيماً لقدْره، وتبع ذلك في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه مؤتمر حافل في مدينة نيويورك حضره ما يقرُبُ من سبعة وعشرين ألفاً من أَتباعه. فاحتفل هؤلاء في جو من الإجلال والبهجة بذكرى إعلان حضرة بهاء الله لميثاقه المتين الذي صانَ وحدة صف المؤمنين منذ بزوغ فجر الدعوة الكريمة. كما صدر خلال ذلك العام المتميز “بيان” خاص كان الهدف منه تعريف الناس في كل مكان بسيرة حضرة بهاء الله وفحوى رسالته السمحاء.
ويجدُر بكل من أراد أنْ يزداد معرفة برسالة حضرة بهاء الله وسيرته الطاهرة، أَنْ يتمعّن في آثاره المباركة من الدعاء والمناجاة، وأنْ يتحرّى حقيقة الدعوة التي نادى بها، وإِعلانه الكريم بأَنَّه “موعود كل الأزمنة.” وعليه أخيراً أنْ يفكر ملياً في وَعْده المستقبلي حين يقول “ستنقضي هذه الحروب المدمّرة والمشاحنات العقيمة وسيأتي الصّلح الأعظم.”
منقول
تعليقات |
دينية | Tagged: البهائية, الدعاء, بهاء الله, عظمة الله |
رابط دائم
نشرت بواسطة shamsalhaya
يونيو 16, 2011

إنّ شرف كلّ كائن من الموجودات وعلوّ درجته يتعلّق بأمر ويرتبط بكيفيّة
فشرف الأرض وزينتها وكمالها في اخضرارها وتجدّدها من فيض سحاب الرّبيع، إذ ينبت النّبات وتتفتّح الأزهار والرّياحين وتثمر الأشجار وتمتلئ بالفواكه اللّذيذة الشّهيّة وتتشكّل الحدائق وتتزيّن الرّياض وتلبس الحقول والجبال حلّة خضراء وتتزيّن الحدائق والبساتين والمدن والقرى، فتلك هي سعادة عالم الجماد.
وأمّا نهاية رقيّ عالم النّبات وكماله فهو أن يرتفع قدّ الشّجرة على شاطئ جدول من الماء العذب، بحيث يهبّ عليها النّسيم العليل وتشرق عليها الشّمس بحرارتها ويعتني البستانيّ بتربيتها فيزداد نموّها يوماً فيوماً حتّى تؤتى ثمرتها. أمّا سعادته الحقيقيّة ففي رقيّه إلى عالم الحيوان والإنسان بالاندماج فيهما بدل ما يتحلّل من جسميهما.
ورقيّ عالم الحيوان في تكامل أعضائه وقواه وجوارحه ووجود ما يحتاج إليه، هذا هو نهاية عزّته وشرفه وعلويّته. مثلاً إنّ نهاية ما يسعد به الحيوان أن يكون في مرعى خصيب نضير، مياهه جارية وفي غاية العذوبة، أو في غابة نضرة في غاية الطّراوة، فإذا تهيّأ له مثل هذا فلا يتصوّر للحيوان سعادة فوق هذه السّعادة، ومثلاً لو أنّ طيراً اتّخذ عشّاً بغابة مخضرّة في بقعة عالية لطيفة على أعلى أفنان دوحة عظيمة، وتوفّر له كلّ ما يريد من حبوب ومياه فهذه هي السّعادة الكلّيّة للطّير، ولكن سعادته الحقيقيّة في انتقاله من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان كالحيوانات الذّرّيّة الّتي تحلّ في جوف الإنسان بواسطة الهواء والماء فتتحلّل وتعوّض ما يفقده جسم الإنسان، هذه هي نهاية عزّة الحيوان وسعادته، ولا يتصوّر له عزّة بعد هذا.
إذاً صار من الواضح المعلوم أنّ هذه النّعمة والرّاحة والثّروة الجسمانيّة هي السّعادة الكاملة للجماد والنّبات والحيوان، ولا يمكن أن توجد أيّة ثروة أو غنى أو راحة أو دعة في العالم الجسماني تعادل غنى هذه الطّيور لأنّ هذه الصّحارى والجبال فناء وكرها، وجميع الحبوب والبيادر ثروتها وقوّتها بل جميع الأراضي والقرى والغياض والمراعي والغابات والصّحارى ملكها، لأنّه مهما أخذ الطّير من الحبوب وأعطى فلا ينقص ذلك من ثروته شيئاً
فهل هذا الطّير أغنى أم أغنياء بني الإنسان؟
إذاً صار من المعلوم أن عزّة الإنسان وعلوّه ليستا مجرّد اللّذائذ الجسمانيّة والنّعم الدّنيويّة، بل إنّ هذه السّعادة الجسمانيّة فرع، وأمّا أصل رفعة الإنسان فهي الخصال والفضائل الّتي هي زينة الحقيقة الإنسانيّة، وهي سنوحات رحمانيّة وفيوضات سماويّة وإحساسات وجدانيّة ومحبّة إلهيّة ومعرفة ربّانيّة ومعارف عموميّة وإدراكات عقليّة واكتشافات فنّيّة، عدل وإنصاف، صدق وألطاف، وشهامة ذاتيّة، ومروءة فطريّة، وصيانة الحقوق، والمحافظة على العهد والميثاق، والصّدق في جميع الأمور، وتقديس الحقيقة في جميع الشّؤون، وتضحية الرّوح لخير العموم، والمحبّة والرّأفة لجميع الطّوائف الإنسانيّة، واتّباع التّعاليم الإلهيّة، وخدمة الملكوت الرّحمانيّ، وهداية الخلق وتربية الأمم والملل. هذه هي سعادة العالم الإنسانيّ، هذه هي رفعة البشر في العالم الإمكاني، هذه هي الحياة الأبديّة والعزّة السّماويّة، ولا تتجلّى هذه المواهب في حقيقة الإنسان إلاّ بقوّة ملكوتيّة إلهيّة وتعاليم سماويّة، لأنّها تتطلّب قوّة ما وراء الطّبيعة، وفي عالم الطّبيعة نماذج ممكنة من هذه الكمالات، ولكن لا ثبات لها ولا بقاء كما لا تثبت أشعّة الشّمس على الجدار.
وقد وضع الرّبّ الرّؤوف تاجاً وهّاجاً كهذا على رأس الإنسان فعلينا أن نسعى ليسطع على العالم نور درّه اللّمّاع.
من كتاب مفاوضات عبد البهاء
http://reference.bahai.org/ar/t/ab/SAQ/saq-40.html#pg43
تعليقات |
عام | Tagged: عزة الانسان،السعادة،خدمة،هداية الخلق،رفعة اليشر،الغنى الحقيقي،الخصال والفضائل،التضحية |
رابط دائم
نشرت بواسطة shamsalhaya
مايو 4, 2011

من مبادئ الدّين البهائيّ ضرورة توافق العلم والدّين. بالعلم والدّين تميّز الإنسان على سائر المخلوقات، وفيهما يكمن سرّ سلطانه، ومنهما انبثق النّور الّذي هداه إلى حيث هو اليوم، وما زالا يمدّانه بالرّؤية نحو المستقبل.
فالعلم يمثل ما اكتشفه عقل الإنسان من القوانين الّتي سنّها الخالق لتسيير هذا الكون، وأداته في ذلك الاستقراء: فيبدأ بالجزئيّات ليصل إلى حكم الكلّيّات.
والدّين هو ما أبلغنا الخالق من شئون هذا الكون، ونهجه في تفصيل ذلك هو الاستنتاج: استنباط حكم الجزئيّات من الكلّيّات.
فكلاهما طريق صحيح إلى المعرفة، ويكمّل أحدهما الآخر، ولعلّ اختلاف الدّين عن العلم ناتج عن فساد أسلوب مِراسنا، لأنّهما وجهان لحقيقة واحدة.
طالما تعاون العلم والدّين في خلق الحضارات وحلّ ما أشكل من معضلات الحياة.
فالدّين هو المصدر الأساسيّ للأخلاق والفضائل وكلّ ما يعين الإنسان في سعيه إلى الكمال الرّوحانيّ، بينما يسمح العلم للإنسان أن يلج أسرار الطّبيعة ويهديه إلى كيفيّة الاستفادة من قوانينها في النّهوض بمقوّمات حياته وتحسين ظروفها. فبهما معًا تجتمع للإنسان وسائل الرّاحة والرّخاء والرّقي مادّيًّا وروحانيًّا. هما للإنسان بمثابة جناحي الطّير، على تعادلهما يتوقّف عروجه إلى العُلى، وعلى توازنهما يقوم اطّراد فلاحه. إن مال الإنسان إلى الدّين دون العلم، سيطرت على فكره الشّعوذة والخرافات، وإن نحا إلى العلم دون الدّين، سيطرت على عقله المادّيّة، وضعف منه الضّمير. واختلافهما في الوقت الحاضر هو أحد الأسباب الرّئيسيّة للاضطراب في المجتمع الإنسانيّ، وهو اختلاف مرجعه انطلاق التّفكير العلميّ حرًّا، مع بقاء التّفكير الدّينيّ في أغلال الجمود والتّقليد.
تعليقات |
عام | Tagged: المجتمع, المعرفة, الانسان, الاتفاق, البهائية, التوافق, الحضارة, الدين, العلم, عبد البهاء |
رابط دائم
نشرت بواسطة shamsalhaya