نزلت “الكلمات المكنونة” على ضفاف نهر دجلة من يراع حضرة بهاءالله عام 1858م تقريبا.
ويمكن اعتبار هذا السفر الرائع من النصائح والتحذيرات الإلهية دليلا شاملا للإنسان في رحلته إلى عوالم الله الروحانية.
فروح الإنسان لا تخضع لقوانين الطبيعة العاملة في الوجود المادي، بل إنها تحيا وتتحرك خاضعة لقوة الميثاق الأعظم الخالد المبرم بين الله والإنسان
ولا تقف “الكلمات المكنونة” عند شروط هذا العهد الأبدي الذي يربط الإنسان بخالقه، ولكنها ترسم له نهجا يقوده إلى الآستقامة والإخلاص لذلك العهد.
وحتى نفهم “الكلمات المكنونة” علينا أن ندرك طبيعة الإنسان المزدوجة المكونة من قوتين متضادتين: الروحية والمادية أي الروح والجسد.
ولحضرة بهاءالله في “الكلمات المكنونة” هدف رئيس هو تنزيه الإنسان عن العالم الفاني وحماية روحه من ألد أعدائها، النفس البشرية.
وقد بيّن لنا حضرة بهاءالله في آثاره بأن العالم وما فيه خلق لمنفعة الإنسان، ويحق له امتلاك كل ما يمكنه من الخيرات والاستمتاع بمباهج الحياة المشروعة شريطة عدم التعلق بها في حال من الأحوال.
ويحث حضرة بهاءالله الإنسان في تعاليمه أن يبذل الاهتمام الكبير في حياته فيعمل على إصلاح العالم وبناء نظام جديد للإنسانية.
ويتفضل في أحد ألواحه:
“إن الذي لن يمنعه شيء عن الله لا بأس عليه لو يزين نفسه بحلل الأرض وزينتها وما خلق فيها، لأن الله خلق كل ما في السموات والأرض لعباده الموحدين. كلوا يا قوم ما أحلالله عليكم ولا تحرموا أنفسكم عن بدايع نعمائه ثم اشكروه وكونوا من الشاكرين.”
إلا أن حضرته حذر الأغنياء بقوله:
“أيها المغرورون بالأموال الفانية اعلموا أن الغنى سد محكم بين الطالب والمطلوب والعاشق والمعشوق، هيهات أن يرد مقر القرب من الأغنياء أو يدخل مدينة الرضا والتسليم منهم إلا القليل. نعمت حال غني لا يمنعه غناه عن الملكوت الخالد، ولا يحرمه من الدولة الأبدية. قسما بالاسم الأعظم إن نور ذلك الغني ليفيض علىأهل السماء كما يفيض نور الشمس على أهل الأرض.”
وكما أن الغنى قد يصبح حائلا عظيما بين الإنسان وخالقه، والأغنياء هم غالبا في خطر عظيم من التعلق بالشؤون الدنيوية فإن من يملكون القليل من متاعها هم في خطر التعلق بها أيضا.
كثيرا ما يقودنا سوء الفهم إلى الاعتقاد بأن امتلاكنا لمتاع الدنيا هو المظهر الوحيد لتعلقنا بها، إلا أن الأمر ليس كذلك. فافتخار الإنسان بإنجازاته وعلمه ومكانته ومقامه بين أفراد مجتمعه، وفي المرتبة الأولى أنانيته وحبه لنفسه، هي بعض الحجبات التي تمنع الإنسان عن ربه
والتخلص من التعلق بشؤون الدنيا ليس سهلا بل إنه عمل شاق قد يتحول إلى صراع حقيقي يشغل الروح طوال عمر الإنسان.
أشار حضرة بهاءالله إلى نزول “الكلمات المكنونة” بما يلي:
“إن عروس المعاني البديعة التي كانت وراء أستار البيان مخبأة مستورة ظهرت بالعناية الإلهية وتجلت بالألطاف الربانية كشعاع جمال المحبوب المنير. إني أشهد يا أيها الأحباء أن النعمة قد تمت والحجة قد كملت، والبرهان قد ظهر، والدليل قد قام. فلننظر الآن ماذا تبديه همتكم من مراتب الانقطاع، كذلك تمت النعمة عليكم وعلى من في السموات والأرضين، والحمد لله رب العالمين.”
في هذا الكتاب بصفحاته القليلة المعدودة، وصف حضرة بهاءالله للإنسانية علاجا تصون به وجودها وسعادتها. وخاطب الإنسان بصوت الحق أن يملك “قلبا جيدا حسنا منيرا” وأكد على أهمية تطهيره من كل دنس لأنه محط إشراق الظهور الإلهي، داعيا إياه أن يطرد ” الغريب حتى يدخل الحبيب منزله “، وينصحه بعدم مرافقة الأشرار لأن ” مجالسة الأشرار تبدل نور الروح بنار الحسبان “، ويؤكد على خلود الروح وأن الله وضع فيها “جوهر نوره” الذي “لا يطفى”، ويجزم بثقة بأن الله “جعل الموت بشارة” للإنسان، ويؤسس ميثاقا معه لمحبته، ويفرض عليه التمسك بالإنصاف والصبر والمحبة، ويذكّره بأن ” طبيب ” كل علله “ذكر الله “، ويصف طيب التوجه إلى الله بالدعاء في الأسحار، وينصح الانسان بالانقطاع عن هذا العالم وأن لا يترك هذه “الدولة الباقية الأبدية” إلى “الدولة الفانية الزائلة”، ويوبخه على غفلته وانغماسه في أهوائه وشهواته النفسية، ويوجهه لاجتناب الغيرة والحسد والتكبر والغرور، ويعلن أن اللسان قد خلق لذكر الله فلا ينبغي أن يدنس بالغيبة والحطّ من شأن الآخرين، ويذكر أن “خير الناس الذين يحصلون على أرزاقهم بالعمل، وينفقون منه على أنفسهم وعلى ذوي قرباهم حبا لله رب العالمين”، ويشجب “النفوس المعطلة المهملة” الذين “يظهرون في الأرض بلا ثمر” ويصفهم بأنهم “شر الناس”، ويتحدث عن عظمة ظهوره ويبدي حزنه لأن نفوسا قليلة استمعت نداءه “وحتى من هذا القليل” لم يجد “ذا القلب الطاهر والنفس المقدسة إلا أقل القليل”، ويحذر الإنسان بأن “يكف” يده عن “الظلم” ويأخذ على نفسه عهدا ويقسم “ألا يتجاوز عن ظلم أحد” في هذا اليوم. ويرى “بلاء مباغتا وعقابا عظيما” يتعقب البشر بسبب ما ارتكبوه، ويهيب بالأغنياء “إنفاق مالهم على الفقراء”، وينص على أن “الغنى سدّ محكم بين الطالب والمطلوب والعاشق والمعشوق“، ويرفع من شأن الغني الذي “لا يمنعه غناه عن الملكوت الخالد” بحيث “إن نورذلك الغني ليفيض على أهل السماء كما يفيض نور الشمس على أهل الأرض”، ويحث كل إنسان على القيام “بالأفعال الطاهرة المقدسة“.
ويصف القوى المخزونة في الإنسان بكلماته التالية:
“يا ابن الروح خلقتك غنيا كيف تفتقر، وصنعتك عزيزا بم تستذل ومن جوهر العلم أظهرتك لم تستعلم عن دوني، ومن طين الحب عجنتك كيف تشتغل بغيري. فارجع البصر إليك لتجدني فيكقائما قادرا مقتدرا قيوما.”
من كتاب ظهور بهاء الله (اديب طاهر زاده) الجزء الاول
كانت لدى امرأة عجوز قِدرين كبيرين. كانت تحملهماعلى كتفيها بواسطة ذراع معلق ، كان احد القدرين مشروخا بينما الاخر سليما. وعلى طول الطريق الطويل من النهر حتى البيت ، كان القدر المشروخ لا يستطيع ان ينقل الى البيت الا نصف الكمية من الماء. اما القدر الاخر فكان يملأ بمقدار كبير من الماء وعلى مدى سنتين كاملتين ، كانت تذهب المرأة العجوز يوميا وتأتي بكمية من الماء سعتها قِدر ونصف . بالطبع القدر السليم كان فخورا لانجازه. في حين كان القدر المشروخ خجلا لتقصيره، وبائسا لانه لا يتمكن من حمل الا نصف الكمية من الماء.
بعد سنتين من الفشل المّر، وفي احدى الايام تكلم القدر المشروخ مع المرأة العجوز عند النهر وقال : ” انا خجل من نفسي لان هذا الشرخ في جوانبي يسبب تسرب الماء مني خلال طريق العودة الى المنزل
فابتسمت المراة العجوز وقالت : ” ألم تلاحظ ، بان هناك زهور على جانب الطريق من ناحيتك وليس من ناحية القدر الاخر؟ ، ذلك لاني أدركت ما اصابك من شرخ و بذرت من بذور الزهور على ناحيتك في الطريق وكل يوم بينما نمشي في العودة انت تسقيهم. لمدة سنتين كنت اتمكن من التقاط هذه الزهور الجميلة وأزين بها منزلي. بدونك لما كان هذا الجمال في المنزل”.
كلُ منا لديه عيبه المميز
ولكن هذه الشقوق والعيوب صنعت من حياتنا معا جوا ممتعا جدا
انظر الى كل انسان وابحث عن الحسنة الموجودة فيه
الى كل اصدقائي ذووا القدور المشروخة اتمنى لكم يوما عظيما