الروح جوهر لا يتحلل إلى أشياء أصغر أو أبسط منه وليس كالمركبات التي يمكن أن نحللها فنحصل على العناصر المكونة لها، فالروح غير مركب و بالتالي لا يمكن أن يتحلل. أما الجسد فمركب و لذلك بعد الموت يتحلل .
الروح لا يتحول من صورة إلى أخرى و لا يتبدل فهو باقي :
كل شيء من حولنا يتحول إذا أخذنا مثلاالذرة في النبات نجد أن هذا النبات يأكله الحيوان فتتحول الذرة من ذرة في النبات إلى ذرة في الحيوان أو يذبل النبات و يموت فتتحلل أجزاؤه في التربة و بالتالي تتحول الذرة من ذرة في النبات إلى ذرة في الجماد ( التربة ) و الذرة في الحيوان كذلك ممكن أن تتحول إلى ذرة في الإنسان عندما يأكل الإنسان الحيوان أو يموت الحيوان فتتحول الذرة إلى التربة (الجماد ) و يخرج من التربة النبات فتصير الذرة موجودة في النبات . كذلك الإنسان يموت يتحلل إلى ذرات في التربة (جماد ) يخرج من الأرض النبات – يأكله الحيوان أو الإنسان و بالتالي تتحول الذرة من جماد إلى نبات إلى حيوانو إنسان و هي هي نفس الذرة تحولت من صورة إلى صورة
و كانت الذرة في كل صورة لها كمال فهي في الجماد كاملة و كذلك في النبات لا يوجد فيها نقصان وفي الحيوان في أجمل صورة وفي الإنسان أكمل و أحسن.
يعني إذا انعدم الإنسان يصير ترابا و لا ينعدم بشكل تام و كامل بل يكون له وجود ترابي لأن الإنسان كان موجودا
و الوجود لا يصير عدما صرفا كما لا يمكن للعدم الصرف أن يصير وجودا .
عندما يتحول النبات إلى جماد نقول أنه انعدم أي أن النبات له انعدام صوري لأنه يتحول من الصورة النباتية إلى صورة أخرى ( الجمادية في هذا المثال ) و لكن النبات لم يفنى و لا يوجد مخلوق يفنى و لكن يتحول من صورة إلى أخرى أي يحدث له انعدام صوري ففناء العشب هو انتقاله من الصورة النباتية إلى الصورة الحيوانية .
فالذرة تنتقل في جميع المراتب أي تتحد مع الذرات الأخرى لتكون عناصر أخرى و لها كمال في كل صورة و من ذلك يمكننا استنتاج أن هناك وحدة في الكون و أن كل الكائنات موجودة في كل الكائنات.
أما الروح فلا تتحول من صورة إلى أخرى فمثلا إذا رسمنا مربعا لا يمكن أن يكون هذا المربع في نفس الوقت مثلثا و لكن إذا تخيلنا مربع يمكن أن نتخيل المثلث في نفس الوقت ( بقوة الروح) و لم نفقد المربع حتى نتخيل المثلث فالروح تملك جميع الصور في نفس الوقت و لا تنتقل من صورة إلى أخرى لذلك هي أبدية لأننا ذكرنا أنه لا يوجد فناء و الفناء هو التحول من صورة لأخرى و بما أن الروح لا تتحول من صورة لأخرى فهي باقية وخالدة.
لكل موجود أثر و المعدوم لا أثر له :
الروح آثارها موجودة حتى بعد فناء الجسد. و كلما كانت الروح قوية كلما ظلت آثارها أكثر و كانت باهرة أكثر فإذا أخذنا مثلا روح الرسل و الأنبياء نرى أنها مازالت تؤثر حتى الآن على أتباعهم و أن آثار تلك الأرواح الخالدة موجودة و باقية حتى الآن . و الجسد مهما بلغ من الجمال و الكمال يبقى بلا ثمر بدون الروح فالجسد الجميل الذي ليس له ثمار ينعدم بموته فالبقاء الحقيقي هو للروح لا الجسد فالمعدوم تنتهي آثاره بانعدامه فالإنسان كجسد تنتهي آثاره الجسدية بفناء جسده أما آثار روحه فموجودة بقدر قوة روحه.
بقاء الروح غير مرتبط ببقاء الجسد :
إن الأصل هو الروح و ليس الجسد فالروح مثل الشمس والجسد مثل المرآة التي تنعكس فيها هذه الشمس ، و إذا كسرت المرآة لا تتأثر الشمس فهي باقية . أما المرآة بدون الشمس لا أهمية لها . و كذلك الروح و الجسد ، إذا انعدم الجسد لا تتأثر الروح فهي باقية بغض النظر عن بقاء الجسد. أما الجسد فلا يمكنه البقاء بدون الروح فإذا انفصلت الروح عن الجسد يفنى. و هذا يتضح لنا أثناء النوم فنحن عندما ننام تكون كل حواسنا في حالة موت ، فالعين لا ترى و الأذن لا تسمع و لا نتحرك و لا نشعر و لكن أرواحنا تنفصل جزئيا عنا و تذهب في عوالم أخرى فنرى أنفسنا نرى في الحلم رغم أن عيوننا في الواقع لا ترى و نسمع رغم عدم قدرتنا على السمع أثناء النوم و نمشي و نجري و أحيانا نطير رغم أن الجسد في الحقيقة في مكانه ولم يتحرك و أحيانا نرى في نومنا حلول لمشكلاتنا التي لم نستطع حلها أثناء اليقظة أو نرى أشياء نجدها تحدث فيما بعد تماما كما رأيناها. كل ذلك بقوة الروح. و بالتالي فالروح وجودها غير منوط بوجود الجسد و هذا دليل على بقاء الروح بعد موت الجسد.
الجسم يتغير أما الروح فلا تتغير :
في حياتنا الجسدية تتغير الأجسام فممكن أن يمرض الجسد أو يسمن أو ينحف أو يفقد عضوا من أعضائهأما الروح لا تتغير. فإذا فقد إنسان ذراعا له مثلا لا تتأثر الروح و لا تفقد جزءا منها بفقد الجسد جزء منه. و أحيانا نرى أشخاصا أصاب جسدهم الشلل الكامل و لكن أرواحهم في غاية النشاط و الحركة . إذن فالروح لا تتغير بتغير الجسد و بالتالي فهي باقية و خالدة فإذا فني الجسد لا تفنى الروح معه.
الروح موجودة معنا دائما :
فالشيء الذي يفكر معنا و يعطينا الرأي هو الروح . فكثيرايسأل الإنسان نفسه عن أشياء و تجيبه و حتى في أبسط الأشياء مثل ( أخرج أو لا أخرج؟ هل ارتكبت خطأ اليوم؟ ماذا أفعل الآن؟ كيف أحل هذه المشكلة؟000) و غير ذلك من الحوار الذي لا ينتهي بين الإنسان و روحه و يقول الإنسان ” أكلم نفسي ” أو ” أريد الانفراد بنفسي ” أي بالروح فالذي يعطينا الرأي و يتحاور معنا هي الروح.
أقوى دليل على بقاء الروح
أنه لا يمكن أن يكون الله تعالى خلق كل هذا العالم عبثا و أن الإنسان لا تبقى روحه بعد الموت و لا يلقى الجزاء و العقاب و لا توجد حياة أبدية و إلا لماذا تحمل أنبياء الله و رسله كل ما تحملوه من العذاب؟ فعدم بقاء الروح منافي للمنطق .و بما أن الروح باقية و الجسد فان فالأصل في الحياة هو الروح.
فما نتيجة الحياة الجسمانية؟
و ماذا جنى الموتى من الحياة الجسمانية؟
و لنقارن مثلا بطرس و هو أحد حواريي حضرة المسيح و الامبراطور نيرون الذي كان من أقوى الأباطرة:
فبطرس كان صيادا فقيرا بالكاد يجد قوت يومه أما نيرون فكانت له كل العزة الدنيوية الظاهرة . أما الآن بطرس له مكانة عظيمة بين كل المسيحيين و آثار روحه الباهرة موجودة بينهمو له مكانة عظيمة في العالم الملكوتي ( عالم الأرواح) أما نيرون فكيف يتذكره الناس الآن؟ – إذا تذكره أحد أصلا- فحياته المنعمة لم تفده و أمواله لم تصنع له شيئا و لم تبق لروحه أية آثار. فمن الذي كتب له الخلود و من الذي كتب له الفناء؟ و ما هي الحياة الباقية : حياة الجسد أم الروح؟
الإنسان ذو الإحساس الروحاني لا يحتاج للأدلة لإثبات وجود الروح و بقائها أما النفوس المحرومة من الفيض الروحي فتحتاج لإقامة الأدلة المادية الخارجة عن عالم الروح.
العالم الروحاني خير محض أما عالم الناسوت ( العالم البشري) فيه الخير و الشر و فيه النور و الظلمة.
الروح دائما تسبب السرور أما الماديات فتسبب الحزن. فالإنسان الروحاني لا يحزن من شيء و دائما يهرب من هموم الدنيا و مشكلات العالم المادي إلى الروح فيجد السرور و يقاوم المشكلات لأنه يعلم أن الأصل هو الروح لا الجسد و أن كل تلك الحياة بمشكلاتها مؤقتة و يعلم أن الله معه و يؤيده و أن أي مشكلة هي ابتلاء و اختبار من الله له فتهون مشكلاته و يظل راضيا مسرورا.
أما الإنسان الغارق في الحياة الماديةفكيف يهرب من يأسه؟
فالغني لا يرضى بما معه و يقتله الخوف و الحرص على أمواله و الفقير يظل يسعى للغنى فلا يرضى و يفني عمره للحصول على المال فتذهب حياتهما في صراع و معاناة و تنتهي بلا ثمر.