كما ذكرنا للإنسان حياتان : حياة الجسد و حياة الروحوبالتالي هناك نوعان من الترقي :الترقي الجسدي أو ما نسميه الترقي المادي و الترقي الروحي .
الرقي المادي هو حدوث الاكتشافات و الاختراعات و تقدمها و تقدم الإنسان من تلك النواحي و هذا الترقي ليس سببا في تحسين الأخلاق، فنجد أن الترقي في صنع الأسلحة مثلا أدى إلى الحروب و الدمار . فالعلم–أي علم-بدون روح يؤدي إلى هلاك الإنسان و العالم المتقدم بدون روح كجسد جميل و لكن لا حياة فيه ، فمهما بلغ الجسد من الجمال فبدون الروح هو جسد ميت لا يليق إلا للتراب.
و لكن الرقي الروحاني و هو ترقي الروح و اكتسابها للكمالات، و قربها من الله و اكتشافها للعوالم الغيبية و عرفانها المتزايد لحضرة بهاء الله كل ذلك يجلب معه الرقي المادي.
فإذا تأملنا في تاريخ الأديان نجد أنه لم يحدث تقدم روحي للبشر إلا و كان معه تقدم مادي –مفيد للبشر- فالإسلام مثلا حول القبائل العربية من حياة الجاهلية و التخلف إلى مجتمع له تاريخ و حضارة عريقة أصبح فيما بعد مركزاتخرج منه العلوم و المعارف للعالم كله.
و أيضا بظهور حضرة الأعلى و حضرة بهاء الله بدأت كل الاكتشافات و الاختراعات الحديثة الهامة التي لم يحدث مثلها من قبل في تاريخ الجنس البشري .
و بالتالي تتكون الحضارة الحقيقية المفيدة للبشر باتحاد الدين و العلم أما العلم فقط فيمكنه أن يدمر البشر لأنه لا توجد روح فيه.
ولكن طالما كانت الروح هي أشرف من الجسد و أعلى منه
لماذا اتخذته محلا لظهورها؟
حكمة ظهور الروح في الجسد هي :
- ترقي الروح في هذا العالم و اكتساب الكمالات
مثل المسافر فهو عندما يزور البلاد يكتسب كمالات و خبرات و كذلك الروح فهي في حالة سفر إلى العالم الدنيوي لاكتساب الكمالات.
- ظهور آثار كمالات الروح في هذا العالم
فكما أن الروح هي سبب حياة الإنسان كذلك الإنسان هو الروح لجسد العالم فإذا لم تظهر الروح بكمالاتها في هذا العالم يكون عالما ظلمانيا حيوانيا و لكن بظهورها يصير العالم نورانيا فلو تخيلنا العالم شجرة يكون الإنسان ثمرها و إذا تخيلناه جسدا يكون الإنسان روحه.
والروح الإنساني لا تقف عند حد و لكنها دائما في حالة ترقي مثل عقل الإنسان فمنذ الميلاد يظل عقل الإنسان يترقى و يكتسب الخبرات في كل يوم بل في كل موقف و في كل لحظة.
كذلك الروح فهي تترقى بشكل دائم .و حتى مراتب الروح الأخرى تترقى ولكن يترقى كل منها في مرتبته فروح الجماد مهما بلغ من الرقي فلن يصل لأن يكون نباتا و تصبح له القوة النامية و النبات مهما نما لن يصير حيوانا و كذلك الحيوان لي يصير إنسانا. والإنسان أيضا يترقى في مرتبته و كل مرتبة لها مقامات لا نهاية لها من الترقي
و لكن لا تترقى الروح لدرجة الانتقال من مرتبة إلى أخرى فمهما بلغ إيمان المؤمنين الأوائل بأي رسول فلن يصل أحد منهم أبدا إلى رتبة الرسول. و مهما بلغ إيمان أي مؤمن فلن يصل إلى مرتبة المؤمنين الأوائل، فبطرس لن يصل إلى مقام المسيح و المسيحيون لن يصلوا إلى مقام بطرس. و حروف الحي(هم المؤمنون الاوائل لحضرة الباب) لن يصلوا لمقام حضرة الأعلى(حضرة الباب) ونحن لن نصل إلى مقام حروف الحي و هكذا و لكن كل روح تترقى في مرتبتها فتتنقل من مقام إلى آخر إلى ما لا نهاية.
والترقي الروحاني يتوقف على المن الإلهي بشكل أساسي ” المدعوون كثيرون و المختارون قليلون” ( إنجيل متى إصحاح22 آية 14) فإذا لم يمن الله على العبد بالترقي فلن يناله أبدا مهما فعل.
و لكن الطالب الحقيقي و الراغب بخلوص نية في الترقي و العرفان يهديه الله إلى الطريق الصحيح كما يتفضل في القرآن الكريم ” و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ” سورة العنكبوت آية 29
و الهدف من حياة الروح في هذه الدنيا
هو اكتساب الكمالات التي تؤهلها للعيش في عوالم أوسع وأكبرمن هذا العالم. و بدون تلك الكمالات تعاني الروح، مثل الجنين في بطن الأم تكون له عينان برغم أنه لا يستخدمهما في بطن أمه و كذلك الأذنان و الأنف و اليدان و سائر الجسد فهو لا يستخدم أية حاسة من حواسه و لكنها تكون عنده جاهزة فإذا جاء موعد خروجه إلى هذا العالم وجد عنده ما يؤهله للعيش فيه بدون معاناة فيبدأ في استخدام العين و الأذن و سائر الأجزاء و لكن الطفل المعاق الذي ولد بدون جزء من أجزاء جسده فمن الطبيعي أنه لن يعيش حياة طبيعية كما يعيش السليم و سيظل طوال عمره يعاني من إعاقته.
وكذلك نحن في هذه الدنيا لدينا الفرصة لاكتساب الكمالات و الفضائل ، تلك هي الوسيلة لترقي أرواحنا فنعيش حياتنا الباقية بعد ذلك في سعادة و لكن عدم اكتساب الكمالات يؤذي الروح بعد الموت و يحرمها من الحياة الأبدية السعيدة.
ولكن هذا لا يعني أن الروح لا تترقى بعد الموت. إنها تترقى و لكن ليس بنفس الكيفية التي تترقى بها في هذه الدنيا. فأعمالنا و اكتسابنا للكمالات الإلهية في الدنيا يحدد المقام الذي ستصعد إليه أرواحنا في العالم الآخر و بعد الصعود يكون الترقي أبطأ و لا يعتمد فقط على جهود الروح .
ومفارقةالروح للجسد هي كولادة الطفل من الأم، فالجنين لا يعرف عالما غير بطن أمه و هو سعيد فيه و يجد كل ما يبغي و تكون عملية الولادة صعبة. و لكن عندما يولد الطفل و يرى أن هناك مكانا أوسع و أرحب و أجمل من بطن أمه فمن المؤكد أنه لن يرغب في العودة مرة أخرى إلى ذلك المكان الضيق الذي كان فيه.
وكذلك الإنسان في هذه الدنيا يتمسك بها و يشعر أنه لا مكان أجمل منها و أن الموت سيأخذه من هذا المكان الذي يحبه و ذلك رغم المعاناة التي يعانيها كل شخص في حياته و مشكلات الدنيا التي لا تنتهي إلا أن الإنسان لا يرغب في ترك الدنيا و عند الموت يبكي أحباب المتوفى و يحزنون، و لكن روح الميت تكون كالفراشة التي خرجت من شرنقة الجسد ، أو كالحبيس الذي فر من القفص فتجد عوالم واسعة لا نهاية لها بدون معاناة و لا مشاكل و لا يمكن أن ترغب أبدا في العودة إلى هذه الدنيا. و تعلشر الأرواح المؤمنة الأنبياء و الأولياء و تنكشف لها كل الحقائق الغيبية التي كانت مستورة.
وليس معنى الموت الانفصال الكامل عن هذا العالم فهناك وحدة بين هذا العالم و عالم الروح و هناك من يشعرون بذلك فمثلا هناك بعض الأشخاص الذين يفقدون بالموت أشخاصا أعزاء جدا عليهم نجد منهم من يقول مثلا أنه شعر بقريبه المتوفى معه أو أنه رآه أو سمع صوته في موقف معين و بالتالي لا يوجد انفصال حقيقي بين عالم الأحياء و المتصاعدين .وأيضا في الحلم تكون الروح ضعيفة التعلق بالبدن فيمكن أن تصل إليها إلهامات العالم الآخر و ذلك أيضا يدل أنه لا انفصال بين العالمين.
و هناك تأثير متبادل بيننا و بين المتصاعدين فهم يصلون لنا فيجب علينا نحن أيضا أن نصلي لهم و ندعو لهم بالمغفرة و الهداية و السعادة و الترقي. فالمتصاعدون يعتمدون على الأحياء بشكل كبير في ترقيهم الروحي .
فالروح بعد الموت تترقى عن طريق :
-المن و الفضل الإلهي الذي يشمل أرواحهم ( في يد الله)
-دعاء الأحياء لهم بالمغفرة و الترقي. ( في يد العباد )
-المبرات و الخيرات الجارية باسمهم. ( في يد المتصاعد قبل موته أو أن يقوم أقرباؤه بذلك باسمه.)
و قد نتساءل عن ترقي أرواح الأطفال الذين يتوفون في سن صغيرة أو رضع و لم يقوموا بفعل أي معصية أو خطأفيعرفنا حضرة عبد البهاء أنهم في ظل فضل الله و أنهم مظاهر الفضل و أنهم بولادتهم اكتسبوا ميزة الترقي الروحي بل أن لهم ميزة النقاء الكامل للروح
بهاء الله صاحب تلك الرّؤيا التي اعتبرت الإنسانيّة شعباً واحداً والأرضَ وطناً مشتركاً لجميع البشر.
وكان قادة العالم أوّل من أَعلن بهاء الله عليهم أخبار رؤياه تلك داعياً إيّاهم إلى الوحدة والاتّحاد قبل أكثر من مائة عام.
لكنّ قادة العالم آنذاك تجاهلوا دعوته وانصرفوا عنها.
أمّا اليوم فها هي آمال البشر قد تعلّقت بهذه الرّؤيا، ونحوها اتّجهت أنظار عالَمٍ يشهد انهياراً لا مفرّ منه في نظامَيْه الاجتماعيّ والخلقيّ، هذا الانهيار الذي نبّهنا إليه بهاء الله في إعلانه ذلك ووضّح أخطاره توضيحاً يبعث على الحذر والرّهبة.
ولد بهاء الله في بلاد فارس في الثّاني عشر من شهر تشرين الثّاني (نوفمير) عام 1817وفي سنّ السّابعة والعشرين أخذ على عاتقه أمراً ما لبث أن مَلَكَ نفوس الملايين من البشر من كلّ عرق وثقافة وطبقة وأمّة على وجه الأرض، فأخصب خيالهم وفاز بولائهم. وليس لهذه الظّاهرة ما يفسّرها في عالمنا المعاصر ولكنها بالأحرى مرتبطة بتحوّلات خطيرة في مسار الجنس البشريّ عبر ماضيه المشترك.
لقد أَعلن بهاء الله أنَّه ليس إلاّ رسولاً من الله بُعِثَ لِيلبّي احتياجات عصر بلغت فيه الإنسانيّة مرحلة النّضج، وأنّه صاحبُ ظهورٍ إلهيّ حقّق الوعود كلّها التي جاءت بها الأديان السّابقة، وأنَّ ظهوره سوف يُحيي الرّوح فيقوّي عضدَها ويُمتّن عصبَها ليتوحّد أَهل الأرض.
إنَّ بهاء الله في حياته وتعاليمه تركَ أثراً يكفي وحده، لا لشيء آخر سواه، أنْ يثير اهتماماً جدّيّاً عند كل مَنْ يؤمن بأنَّ طبيعة الإنسان روحيّة في أساسها، وأنَّ أيّ تنظيم لحياة هذا الكوكب الذي نعيش فيه، لا بدَّ وأنْ يكون ضمن مفهوم هذه الحقيقة. فالوثائق المثبتة مفتوحة أمامنا لكلّ من يبغي التّأكّد من صحّتها.
إنَّه لأوّل مرّة في التّاريخ تجد الإنسانيّة في متناول يدها سجلاًّ مفصّلاً يمكن التّحقّق من صحّته، يؤرّخ مولدَ نظامٍ دينيّ مستقلّ ويشرح سيرةَ مؤسّسه.
ويَسْهُلُ بالمثل أيضاً الاطّلاع على سجلّ آخر يتعلّق بمدى نجاح هذه الدّعوة الجديدة واستجابة النّاس لها، هذا النّجاح الماثل في بروز جامعة عالميّة يمكن لها أنْ تدّعي بحقّ أنَّها تمثّل أنموذجاً مُصغَّراً لعالَمٍ توحّدت فيه جموع البشر
الروح جوهر لا يتحلل إلى أشياء أصغر أو أبسط منه وليس كالمركبات التي يمكن أن نحللها فنحصل على العناصر المكونة لها، فالروح غير مركب و بالتالي لا يمكن أن يتحلل. أما الجسد فمركب و لذلك بعد الموت يتحلل .
الروح لا يتحول من صورة إلى أخرى و لا يتبدل فهو باقي :
كل شيء من حولنا يتحول إذا أخذنا مثلاالذرة في النبات نجد أن هذا النبات يأكله الحيوان فتتحول الذرة من ذرة في النبات إلى ذرة في الحيوان أو يذبل النبات و يموت فتتحلل أجزاؤه في التربة و بالتالي تتحول الذرة من ذرة في النبات إلى ذرة في الجماد ( التربة ) و الذرة في الحيوان كذلك ممكن أن تتحول إلى ذرة في الإنسان عندما يأكل الإنسان الحيوان أو يموت الحيوان فتتحول الذرة إلى التربة (الجماد ) و يخرج من التربة النبات فتصير الذرة موجودة في النبات . كذلك الإنسان يموت يتحلل إلى ذرات في التربة (جماد ) يخرج من الأرض النبات – يأكله الحيوان أو الإنسان و بالتالي تتحول الذرة من جماد إلى نبات إلى حيوانو إنسان و هي هي نفس الذرة تحولت من صورة إلى صورة
و كانت الذرة في كل صورة لها كمال فهي في الجماد كاملة و كذلك في النبات لا يوجد فيها نقصان وفي الحيوان في أجمل صورة وفي الإنسان أكمل و أحسن.
يعني إذا انعدم الإنسان يصير ترابا و لا ينعدم بشكل تام و كامل بل يكون له وجود ترابي لأن الإنسان كان موجودا
و الوجود لا يصير عدما صرفا كما لا يمكن للعدم الصرف أن يصير وجودا .
عندما يتحول النبات إلى جماد نقول أنه انعدم أي أن النبات له انعدام صوري لأنه يتحول من الصورة النباتية إلى صورة أخرى ( الجمادية في هذا المثال ) و لكن النبات لم يفنى و لا يوجد مخلوق يفنى و لكن يتحول من صورة إلى أخرى أي يحدث له انعدام صوري ففناء العشب هو انتقاله من الصورة النباتية إلى الصورة الحيوانية .
فالذرة تنتقل في جميع المراتب أي تتحد مع الذرات الأخرى لتكون عناصر أخرى و لها كمال في كل صورة و من ذلك يمكننا استنتاج أن هناك وحدة في الكون و أن كل الكائنات موجودة في كل الكائنات.
أما الروح فلا تتحول من صورة إلى أخرى فمثلا إذا رسمنا مربعا لا يمكن أن يكون هذا المربع في نفس الوقت مثلثا و لكن إذا تخيلنا مربع يمكن أن نتخيل المثلث في نفس الوقت ( بقوة الروح) و لم نفقد المربع حتى نتخيل المثلث فالروح تملك جميع الصور في نفس الوقت و لا تنتقل من صورة إلى أخرى لذلك هي أبدية لأننا ذكرنا أنه لا يوجد فناء و الفناء هو التحول من صورة لأخرى و بما أن الروح لا تتحول من صورة لأخرى فهي باقية وخالدة.
لكل موجود أثر و المعدوم لا أثر له :
الروح آثارها موجودة حتى بعد فناء الجسد. و كلما كانت الروح قوية كلما ظلت آثارها أكثر و كانت باهرة أكثر فإذا أخذنا مثلا روح الرسل و الأنبياء نرى أنها مازالت تؤثر حتى الآن على أتباعهم و أن آثار تلك الأرواح الخالدة موجودة و باقية حتى الآن . و الجسد مهما بلغ من الجمال و الكمال يبقى بلا ثمر بدون الروح فالجسد الجميل الذي ليس له ثمار ينعدم بموته فالبقاء الحقيقي هو للروح لا الجسد فالمعدوم تنتهي آثاره بانعدامه فالإنسان كجسد تنتهي آثاره الجسدية بفناء جسده أما آثار روحه فموجودة بقدر قوة روحه.
بقاء الروح غير مرتبط ببقاء الجسد :
إن الأصل هو الروح و ليس الجسد فالروح مثل الشمس والجسد مثل المرآة التي تنعكس فيها هذه الشمس ، و إذا كسرت المرآة لا تتأثر الشمس فهي باقية . أما المرآة بدون الشمس لا أهمية لها . و كذلك الروح و الجسد ، إذا انعدم الجسد لا تتأثر الروح فهي باقية بغض النظر عن بقاء الجسد. أما الجسد فلا يمكنه البقاء بدون الروح فإذا انفصلت الروح عن الجسد يفنى. و هذا يتضح لنا أثناء النوم فنحن عندما ننام تكون كل حواسنا في حالة موت ، فالعين لا ترى و الأذن لا تسمع و لا نتحرك و لا نشعر و لكن أرواحنا تنفصل جزئيا عنا و تذهب في عوالم أخرى فنرى أنفسنا نرى في الحلم رغم أن عيوننا في الواقع لا ترى و نسمع رغم عدم قدرتنا على السمع أثناء النوم و نمشي و نجري و أحيانا نطير رغم أن الجسد في الحقيقة في مكانه ولم يتحرك و أحيانا نرى في نومنا حلول لمشكلاتنا التي لم نستطع حلها أثناء اليقظة أو نرى أشياء نجدها تحدث فيما بعد تماما كما رأيناها. كل ذلك بقوة الروح. و بالتالي فالروح وجودها غير منوط بوجود الجسد و هذا دليل على بقاء الروح بعد موت الجسد.
الجسم يتغير أما الروح فلا تتغير :
في حياتنا الجسدية تتغير الأجسام فممكن أن يمرض الجسد أو يسمن أو ينحف أو يفقد عضوا من أعضائهأما الروح لا تتغير. فإذا فقد إنسان ذراعا له مثلا لا تتأثر الروح و لا تفقد جزءا منها بفقد الجسد جزء منه. و أحيانا نرى أشخاصا أصاب جسدهم الشلل الكامل و لكن أرواحهم في غاية النشاط و الحركة . إذن فالروح لا تتغير بتغير الجسد و بالتالي فهي باقية و خالدة فإذا فني الجسد لا تفنى الروح معه.
الروح موجودة معنا دائما :
فالشيء الذي يفكر معنا و يعطينا الرأي هو الروح . فكثيرايسأل الإنسان نفسه عن أشياء و تجيبه و حتى في أبسط الأشياء مثل ( أخرج أو لا أخرج؟ هل ارتكبت خطأ اليوم؟ ماذا أفعل الآن؟ كيف أحل هذه المشكلة؟000) و غير ذلك من الحوار الذي لا ينتهي بين الإنسان و روحه و يقول الإنسان ” أكلم نفسي ” أو ” أريد الانفراد بنفسي ” أي بالروح فالذي يعطينا الرأي و يتحاور معنا هي الروح.
أقوى دليل على بقاء الروح
أنه لا يمكن أن يكون الله تعالى خلق كل هذا العالم عبثا و أن الإنسان لا تبقى روحه بعد الموت و لا يلقى الجزاء و العقاب و لا توجد حياة أبدية و إلا لماذا تحمل أنبياء الله و رسله كل ما تحملوه من العذاب؟ فعدم بقاء الروح منافي للمنطق .و بما أن الروح باقية و الجسد فان فالأصل في الحياة هو الروح.
فما نتيجة الحياة الجسمانية؟
و ماذا جنى الموتى من الحياة الجسمانية؟
و لنقارن مثلا بطرس و هو أحد حواريي حضرة المسيح و الامبراطور نيرون الذي كان من أقوى الأباطرة:
فبطرس كان صيادا فقيرا بالكاد يجد قوت يومه أما نيرون فكانت له كل العزة الدنيوية الظاهرة . أما الآن بطرس له مكانة عظيمة بين كل المسيحيين و آثار روحه الباهرة موجودة بينهمو له مكانة عظيمة في العالم الملكوتي ( عالم الأرواح) أما نيرون فكيف يتذكره الناس الآن؟ – إذا تذكره أحد أصلا- فحياته المنعمة لم تفده و أمواله لم تصنع له شيئا و لم تبق لروحه أية آثار. فمن الذي كتب له الخلود و من الذي كتب له الفناء؟ و ما هي الحياة الباقية : حياة الجسد أم الروح؟
الإنسان ذو الإحساس الروحاني لا يحتاج للأدلة لإثبات وجود الروح و بقائها أما النفوس المحرومة من الفيض الروحي فتحتاج لإقامة الأدلة المادية الخارجة عن عالم الروح.
العالم الروحاني خير محض أما عالم الناسوت ( العالم البشري) فيه الخير و الشر و فيه النور و الظلمة.
الروح دائما تسبب السرور أما الماديات فتسبب الحزن. فالإنسان الروحاني لا يحزن من شيء و دائما يهرب من هموم الدنيا و مشكلات العالم المادي إلى الروح فيجد السرور و يقاوم المشكلات لأنه يعلم أن الأصل هو الروح لا الجسد و أن كل تلك الحياة بمشكلاتها مؤقتة و يعلم أن الله معه و يؤيده و أن أي مشكلة هي ابتلاء و اختبار من الله له فتهون مشكلاته و يظل راضيا مسرورا.
أما الإنسان الغارق في الحياة الماديةفكيف يهرب من يأسه؟
فالغني لا يرضى بما معه و يقتله الخوف و الحرص على أمواله و الفقير يظل يسعى للغنى فلا يرضى و يفني عمره للحصول على المال فتذهب حياتهما في صراع و معاناة و تنتهي بلا ثمر.
بينما المركبات يمكن تحليلها إلى العناصر التي كونتها.
و ترتبط الروح بالإنسان منذ انعقاد النطفة أي من وقت تكون الجنين في بطن الأم و تبقى الروح مع الإنسان طوال فترة حياته و تستمر بعد وفاته إلى ما لا نهاية .
و بالتالي فالروح الإنساني لها بداية و ليس لها نهاية. و تنمو الروح مع الإنسان بشكل تدريجي فنجد أن الروح في الطفولة تظهر لها آثار في الإنسان و لكن لا تصل إلى رتبة الكمال بل تكون ناقصة و عندما نصل إلى مرحلة البلوغ تظهر الروح في غاية الكمال مثل الحبة التي تنبت فتخرج منها شجرة كبيرة ، فالشجرة كانت مختفية و مستورة في الحبة ثم ظهرت بعد ذلك و نمت بالتدريج حتى صارت شجرة كبيرة و هذا ما نسميه بالنمو التدريجي. و هذا النمو التدريجي من خصائص كل المخلوقات أيضا من خصائص العقل.
الروح معلقة بالجسد و ليست موجودة فيه فلا يوجد في الجسد مكان اسمه الروح بل الروح معلقة بالجسد مثل تعلق العقل بالمخ و المحبة بالقلب
فإذا بحثنا في مخ الإنسان لا نجد شيئا اسمه العقل و لكن العقل معلق بالمخ و إذا بحثنا في القلب لا نجد مكان خاص بالمحبة و لكن المحبة معلقة بالقلب.
الروح هي الأساس في حياة الإنسان لا الجسد فالجسد موجود طالما تعلقت الروح به و يفنى الجسد إذا انفصلت الروح عنه أما الروح فباقية بغض النظر عن وجود الجسد.
سنتحدث عن ذلك بالتفصيل لاحقا.
ونحن لا نستطيع رؤية الروح لأنها غير مجسمةو لكن عدم قدرتنا على رؤيتها لا يعني عدم وجودها.
فالجنين لا يدرك هذا العالم و لا يعتقد بوجود دنيا أخرى غير بطن أمه و لكن عدم علمه و إدراكه لهذا العالم لا يعني عدم وجود هذا العالم لأن هذا العالم في مرتبة أعلى من عالم الجنين في بطن أمه. فدائما المقام الأدنى لا يدرك المقام الأعلى ، فالنبات لا يدرك وجود الحيوان و لكن عدم إدراك النبات لا يعني عدم وجود الحيوان و الحيوان لا يدرك مقام ووجود الإنسان و هكذا و لكن الحيوان يدرك وجود النبات لأنه في رتبة أدنى منه.
و هكذا نحن لا نرى الروح و لا يمكننا التحقق منها بشكل حسي ( أي عن طريق حواسنا الخمس التي ندرك بها الأشياء : السمع، البصر ، التذوق ، اللمس ،و الشم) و ذلك لأن مرتبة الروح أعلى من مرتبة الجسد.
في فجر يوم التاسع والعشرين من مايو1892 وبعد مضي 8 ساعات من الغروب صعدت روحه الى بارئها وهو في الخامسة والسبعين من عمره ولم يرو التاريخ مثلا لتلك المراثي العالية الزاخرة التي تنافس العلماء والكبراء في القائها بين ايدي ابنه الاكبر عبد البهاء الذي عينه بوصيته كتاب عهدي التي خطها ومهرها بيده الكريمة مبينا لاياته ومركزا لعهده وميثاقه من بعده وبذلك حفظ اتباعه وصانهم الى الابد من التشيع والانقسام اللذين حدثا فيما سبق من الادوار